ابن الأثير

425

الكامل في التاريخ

للنهب ، فلم يمكنه المقام لضيق الشوارع وغلبة العامّة ، فهرب من داره من باب فتحه في ظهرها ، لكثرة الخلق على بابها ، وخرج من بغداد ونهبت داره ، وأخذ منها من الأموال ما لا يحدّ ولا يحصى ، فرئي فيها من التنعّم ما ليس لأحد مثله ، فمن جملة ذلك أنّ بيت الطهارة الّذي كان له فيه سلسلة ذهب من السقف إلى محاذي وجه القاعد على الخلا ، وفي أسفلها كرة كبيرة ذهب ، مخرّمة ، محشوّة بالمسك والعنبر ليشمّها إذا قعد ، فتشبّث بها إنسان وقطعها وأخذها ، ودخل بعض الصعاليك فأخذ عدّة أكياس مملوءة دنانير . وكان الأقوياء قد وقفوا على الباب يأخذون ما يخرج به النّاس ، فلمّا أخذ ذلك الصعلوك الأكياس قصد المطبخ فأخذ منه قدرا مملوءة طبيخا ، وألقى الأكياس فيها وحملها على رأسه وخرج بها ، والنّاس يضحكون منه ، فيقول : أنا أريد شيئا أطعمه عيالي اليوم ، فنجا بما معه ، فاستغنى بعد ذلك ، فظهر المال ، ولم يبق من نعمة قطب الدين في ساعة واحدة قليل ولا كثير . ولمّا خرج من البلد تبعه تنامش وجماعة من الأمراء ، فنهبت دورهم أيضا ، وأخذت أموالهم وأحرق أكثرها ، وسار قطب الدين إلى الحلّة ومعه الأمراء ، فسيّر الخليفة إليه صدر الدين شيخ الشيوخ ، فلم يزل به يخدعه حتى سار عن الحلّة إلى الموصل على البرّ ، فلحقه ومن معه عطش عظيم فهلك أكثرهم من شدّة الحرّ والعطش ، ومات قطب الدين قبل وصوله إلى الموصل فحمل ودفن بظاهر باب العمادي وقبره مشهور هناك . وهذا عاقبة عصيان الخليفة ، وكفران الإحسان ، والظلم ، وسوء التدبير ، فإنّه ظلم أهل العراق ، وكفر إحسان الخليفة الّذي كان قد غمره ، ولو أقام بالحلّة وجمع العساكر وعاود بغداد لاستولى على الأمور كلّها كما كان ، فإنّ عامّة بغداد كانوا يريدونه ، وكان قوي بالاستيلاء على البلاد فأطاعوه . ولمّا مات في ذي الحجّة وصل علاء الدين تنامش إلى الموصل ، فأقام